تعرف على تاريخ ورق اللعب, ما هي اصولها ومن أين منبعها؟

تخيّل أنك الآن تلعب الورق مع رفاقك في أحد المقاهي. اللعبة على وشك الانتهاء، وما هي إلا لحظات وإذ بك تعلن فوزك الساحق على أعدائك الضعفاء. ليست هذه هي المرة الأولى التي تفوز فيها، ولن تكون الأخيرة بالتأكيد. ولكن فجأة ومن دون سابق إنذار، يدّعي خصمك أنّك لم تفز بعد، وأنك لن تفوز أبدًا مهما حاولت. فبحسب قوله، أنت لم تتبع القوانين بحذافيرها وليس بإمكانك الفوز عليه إلا بالغش. قد يكون كلامه محرجًا إن كان صحيحًا، ولكنّه كاذب وكلامه افتراء، فلم يكن فوزك مبنيًا على الغش. كل ما عليك فعله لتثبت خطأه هو العودة إلى قوانين اللعبة لتثبت أنك لم تخالف أيًا منها. في هذه اللحظات، قد يخطر في بالك السؤال التالي: من الذي وضع هذه القوانين أصلًا؟ بل من الذي فكّر في صنع هذه الأوراق أو اللعب بها. تساؤلك حيال ذلك لن يستغرق الكثير من الوقت، وعلى الأرجح أنك ستنسى الأمر خلال لحظات. ولكنّ هذا السؤال لا يزال بحاجة إلى إجابة. وهذا ما سنحاول أن نقدمه لك في هذه المدونة.

إن تاريخ أوراق اللعب يمتد عبر العصور والأجيال، وعبر السهول والجبال، وعبر الحقائق والقيل والقال. لا يعرف أحدٌ من اخترعها، ولا من صنعها. ولكنّ الحقيقة هي أن المؤرّخين يقدّرون أنها نشأت ما بين سنة 800 وسنة 1100 ميلادي، وأنها لم تكن لعبةّ في ذلك الحين، بل كانت إحدى ألاعيب قرّاء الكف والبخت والعرّافين والنصّابين. كما أنها كانت تُستخدم في الصين ومصر القديمة لأغراض دينية. ويُقال إن أول لعبة ورق مسجّلة تستخدم نظام الأرقام والرموز كانت في سنة 1294 في الصين القديمة. وكانت الأوراق في ذلك الوقت شكل من أشكال العملة، فعليها يكون الرهان، ومن خلالها يتم اللعب.

تنقّلت هذه الأوراق بين الأمم والبلدان، ووصلت أرض الفرس والعربان. وكان لها أشكال مختلفة، ولكنّ أنواع الرموز المستخدمة كانت نفسها في العادة، حيث أن كل نوع كان لديه 12 بطاقة: 10 بطاقات تحمل أرقامًا وبطاقتان في خانة البطاقات الملكية. وهذا – يا حبيبي القارئ – يختلف عن أوراقنا الحالية.  ففي خانة البطاقات الملكية لدينا الآن الملك، والملكة، والأمير، أو كما نسميها: الشايب، والبنت، والغلام. أما في الماضي فلم يكن هنالك ملك وملكة وأمير، وإنما ملك ووزير فقط. وقد يبدو هذا مثيرًا ويراودك الفضول تجاهه، لكن سرعان ما تغيرت الأوراق، فمن الأفضل لك أن تسحب ذلك الفضول من عقلك وترميه في طفاية السجائر.

بعد أن تنقلت أوراق اللعب من مكان إلى آخر ومن زمان إلى آخر، وصلت إلى القارة الأوروبية، فتغيّر تصميمها ولم يعد بتلك الغرابة. في بادئ الأمر، كانت البطاقات – وكانت تُسمى “البطاقات اللاتينية” في ذلك الوقت – مشتّقة من بطاقات كانت شائعة في الدولة المملوكية التي امتازت بزخارفها ورسوماتها المميزة. تطوّرت البطاقات اللاتينية عند وصولها إلى البلاد الجرمانية، فتغيّرت أنواعها العادية وظهرت رموز وأشكال غير اعتيادية، مثل ورقة الشجر، والقلب، والبلوط، والجرس (لا يستطيع الألمان أن يتركوا أي شيء من دون العبث به). لكن بعد ذلك، قام الفرنسيون بدمج الأنواع الجرمانية واللاتينية، فحصلنا على البطاقات التي نعرفها الآن (ولا يستطيع الفرنسيون أن يتركوا الألمان من دون تغيير ما يخترعونه). فتطوّرت “ورقة الشجر” وأصبحت السبيت، أما البلوط فصار الشيريا، وكان القلب هو نفسه الهاص، واستُبدل الجرس بالديمن.

ويُقال إن الجهة الخلفية من البطاقات كانت بيضاء فارغة، ولكنّ الأمر سرعان ما تغيّر لمنع الغشاشين من الكتابة على البطاقات ولإخفاء آثار الاستخدام، فظهرت الزخارف الزرقاء والحمراء أو الرسومات المختلفة. وإن رأيت صديقك أو رفيقك يحمل بطاقات خلفيتها بيضاء، فاعلم أنه يريد أن يفوز عليك بالغش. خذ تلك البطاقات من يده وارمها في القمامة، ثم أخرج بطاقاتك التي تعبت على ترتيبها طوال الليلة الماضية واطلب منه اللعب بنزاهة. أما آخر الواصلين إلى بطاقات اللعب، أي الجوكر، فقد تمت إضافته في أمريكا إلى مجموعة الورق ليتم استخدامه في لعبة اسمها اليوكر، واحتلت بطاقة الجوكر المرتبة الأعلى بين البطاقات جميعها (وهذا طبيعي، فكلنا نعرف كيف يرى الأمريكيون أنفسهم).

وهذا هو تاريخ أوراق اللعب يا عزيزي القارئ. يمكنك الآن أن ترى كيف قفزت الأوراق من بلد إلى آخر، وأخذت شيئًا من طبع كل منطقة زارتها، إلى أن وصلت إلينا لنضفي عليها طابعنا بألعابنا وحكاياتنا الخاصة عنها.

Comments

Pin It on Pinterest